يوسف المرعشلي

1384

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ولد في صبيا سنة 1293 ه وتلقّى العلوم الدينية بمسجد جده بها ، ثم أتى مصر سنة 1314 ه ، وأخذ العلوم الدينية والعربية في الأزهر الشريف . وكان أيام تحصيله مكبّا على الاجتهاد ، مواظبا على الحضور في حلقات التدريس لدى مشاهير العلماء . وفي سنة 1317 ه زار السيد محمد الهدى السنوسي بالكفرة عن طريق الجغبوب ، ثم عاد إلى الأزهر الشريف فبقي إلى أواخر سنة 1321 ه . وبعد إتمام التحصيل ، توجّه إلى دنقله ، وزار قبر عمه سيدي السيد عبد العال الإدريسي ، وبقي هناك مدة . ثم عاد إلى صبيا ، ووصل إليها سنة 1323 ه الموافقة سنة 1905 م . فوجد كثيرا من أتباعه وأتباع أبيه وجده متعطشين لطريق يبيّنه لهم ويسلكونه ، فشرع يبيّن لهم ما هو الأصلح لدينهم ودنياهم ، وأرشدهم الإرشاد الذي يستنيرون به ، وصار يمهّد لهم طرق العدالة والوقوف على حد أحكام الشرع الشريف . وكان جميع الذين حوله وبعض البعيدين عنه والسامعون بحسن سيرته وعظيم مجده يقصدون إليه للتلقي عنه ، والسير على طريقته المحمودة ، ولم يلبث قليلا حتى وجد أتباعا وأنصارا يقولون بقوله ، ويعملون بعمله ، ويسلكون محامد سيره ، ومحاسن أمره . وهنالك قام الأمير الخطير سيدي السيد محمد بن علي الإدريسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب ما كان عليه آباؤه وأجداده الطيبون الكرام ، فصار حينئذ لدعوته وقع عظيم في نفوس أهالي تلك الأنحاء ، وهو لا يحيد عن الشرع الشريف قيد شعرة . وبينما كان على هذه الحالة التي استحسنها منه كل من شاهد أعماله وسمع بها ، إذ ظهر أناس يناقشونه في أعماله الحسنة ، حسدا أو من باب جهل حقيقة حاله . ولا يخفى على أحد أن من سلك مثل هذا الطريق لا بد أن يكون له من يعارضه ، فكانت نتيجة تلك المعارضة وقوع التنافس المؤدي إلى حروب نشأت في الحقيقة عن سوء التفاهم . ولما رأى الأمير وأنصاره حرج الموقف ، التزموا طرق المدافعة المطلوبة شرعا . ولما كتب له التفوّق بكثرة الأتباع ومزيد المحبة والسير الحكيم حفظ المركز الذي وفّقه اللّه إليه . وفي تلك الأيام وقعت الهدنة ، وأمرت الحكومة العثمانية بسحب جيوشها من عسير وتهامة اليمن وتسليم جميع المهمات الحربية إلى الأمير السيد محمد بن علي الإدريسي . وبمقتضى الأمر سلّم القواد كل ذلك إليه ، وخرجوا وهم شاكرون فضله ، مقدّرون حسن إنعامه ومكانته الدينية . وبعد ذلك مال جميع أهالي عسير وتهامة اليمن إليه ، وأصبح بعد ذلك قائما بتدبير شؤونهم ولمّ شعثهم ، والمحافظة عليهم ، وسعى السعي الحثيث لتأمين الطرق ، حتى أصبح الإنسان يسافر في أي جهة شاء بكمال الطمأنينة ولا يتعرّض له أحد في أثناء الطريق ، وضرب على أيدي المجرمين والساعين للفساد ، حتى استتب الأمن كما ينبغي سنة 1341 ه . وهو - على جلالة علمه وعظيم قدره وفخامة مكانته - متواضع زاهد ، متمسك بالتقوى . وقد درج منذ نشأته على حب العلم والأدب وأهلهما ، وكره الظلم والاستبداد . وأعطاه اللّه من شدة الذكاء وكرم الخلال وعزة النفس والغيرة على الدين والوطن ، بقدر حسن سيرته ، ونقاء سريرته ، وحبّه للناس ، وبخاصة الصالحون . ولقد كان والده سيدي السيد علي الإدريسي صالحا تقيّا محبوبا . وأقام بصبيا بعد وفاة والده السيد محمد الإدريسي الذي كان معدودا من أكابر الأولياء ، وتوفي بصبيا سنة 1324 ه وقد صدق فيهم قول القائل : إن للّه رجالا فطنا * طلّقوا الدنيا وخافوا الفتنا وكان من صفوة العلماء الذين يشار إليهم بالبنان في مجالس العلم والتدريس . ولم يزل متعبّدا حتى إنه - بعد وفاة والده - انتقل من صبيا إلى الحديدة ، وهي أكبر موانىء اليمن ، وأقام في خلوته الخاصة أربعين سنة لم يخرج منها ، ثم أمر أن يحمل إلى صبيا ، فمكث فيها أربعة أيام ، وتوفي إلى رحمة اللّه ورضوانه ودفن بجوار والده سيدي السيد أحمد بن إدريس . أما أبو جده فهو سيدي السيد أحمد بن إدريس الحسني نسبا ، من ذرية الإمام إدريس بن عبد اللّه من السادة الإدريسية ملوك المغرب ، وقد ذكر من تراجمهم